أحمد أمين
89
كتاب الأخلاق
لأنه حكم يتبع نتائج العمل . أما الحكم بأنه خير أو شر ، فيتبع الغرض كما بينا ، وإذن يكون من الواضح أن بعض الأعمال قد يكون خيرا ضارا ؛ كإعلان الحرب في المثال المتقدم ، ونعني بخير أن غرض فاعله حسن ، ونعني بضار أن نتائجه وخيمة ، والعكس واضح . والإنسان لا يلام على عمل عمله يريد منه الخير مهما ساءت نتائجه ، وإنما يلام إذا كان في استطاعته أن يرى النتائج إذا دقق في البحث وأنعم النظر ثم لم يفعل ، فموضع اللوم هو التقصير عند اختيار العمل الصالح ، فلا يلام قدماء المصريين مثلا على رمي بكر في النيل لأنهم أرادوا من عملهم الخير ، وإنما يلامون على اعتقادهم أن النيل لا يفيض حتى تهدى إليه بنت ؛ لأنهم بنوا هذه العقيدة على استقراء ناقص وأساس غير متين ، والأمة التي أعلنت الحرب ففشلت لا تلام على إعلانها الحرب لأنها رأته خيرا ، وإنما تلام إذا لم تكن بحثت المسألة من جميع وجوهها بحثا وافيا ، وكان في استطاعتها أن ترى النتائج ثم قصرت في البحث . هذا كله في الحكم الأخلاقي الذي يصدر على العمل ، وقد يصدر الحكم على العامل نفسه ، فيقال : إنه خير أو شرير طيب أو خبيث ، فما ذا يلاحظ في ذلك ؟ عند حكمنا على العامل إنما يلاحظ في مجموعة ما يصدر منه ، فإذا كان « حاصل الجمع » يبين أن أعماله الخيرة أكثر من أعماله السيئة حكمنا عليه بأنه رجل طيب والعكس . ومن ذلك يستنتج أن الرجل قد يصدر منه عمل خير وهو نفسه شرير ، وقد يصدر من الخير عمل شر ؛ ذلك لأنا في حكمنا على العمل إنما نلاحظ الغرض من عمله هذا فحسب ، وفي حكمنا على العامل نلاحظ جميع أعماله في حياته . نشوء الحكم الأخلاقي وارتقاؤه : إن جرثومة الحكم الأخلاقي موجودة في الحيوانات كجرثومة المعاملة ، ففي الحيوانات المستأنسة نرى الكلب مثلا يتمسح بصاحبه ويتملقه إذا هو عمل عملا منكرا ، فهو يميز الأعمال التي تستحق عليها العقوبة من غيرها . والحيوانات الدنيئة